|
الحمد لله فاطر السماوات والأرض ، جاعل
الملائكة رسلا وباعث الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله
حجة بعد الرسل أحاط بكل شيء علما ووسع كل شيء رحمة وحلماً ، خلق
الإنسان وعلمه ورفع قدر العلم وعظمه وخص به من خلقه منت كرمه وحض عباده
المؤمنين على التفقه في الدين .
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا
شريك له ، الممتن على المؤمنين بفضله بذل لهم الإحسان وزين في قلوبهم
الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان .
وأشهد أن محمداً
صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ونبيه وصفيه ونجيه وخليله
وأمينه علي وحيه وخيرته من خلقه ، المبعوث بالدين القويم والخلق العظيم
، الموعود يوم القيامة مقاماً محموداً وحوضاً موروداً وشرفاً مشهوداً
اختصه الله بالمحامد الكثيرة والمآثرة الأثيرة ، أرسله الله رحمة
للعالمين وقدوة للعالميين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين ،
بعثه للإيمان منادياً وللخليقة هادياً ولكتابه تالياً ولمرضاته ساعياً
وبالمعروف آمراً وعن المنكر ناهياً .
أرسله الله على حين فترة من الرسل وحاجة من البشر فجاء صلى الله عليه
وسلم بالدلائل الواضحة والحجج القاطعة والبراهين الساطعة ، أيقظ به
العقول من سباتها وصرف به النفوس عن أهوائها فكان
صلى الله عليه وسلم مصدر خير ومبعث نور وشمس هداية ، بلغ
الرسالة وأدى الأمانة وتنهض بالحجة ودعا إلى الحق وحض على الصدق ،
فصلوات الله وسلامه عليه أفضل صلاة وأنماها وأطيبها وأزكاها وأبقى الله
في العالمين محبته وفي المقربين مودته وجعل في أعلى عليين درجته وعلى
آله الطيبين الطاهرين .
ورضي الله عن أصحابه الطيبين المطيبين ، الذين آمنوا به واتبعوه
وعزروه ونصروه ، ونقلوا لنا رسالته وبلغونا أمانته شهدوا الوحي
والتنزيل وعرفوا التفسير وهم الذين أختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى
الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه وبذلوا في ذلك أنفسهم
ونفسيهم فهدى الله بهم العباد وفتح على أيديهم البلاد ، أبر الأمة
قلوباً وأعمقها علماً وأحسنها عملاً وأقلها تكلفاً ، رضى الله عنهم
وأرضاهم ومن اقتفى أثرهم وسلك سبيلهم من العلماء العاملين والدعاة
المصلحين الذين فقهوا دين الله وأدركوا مراميه وفهموا مقاصده واستنوا
بهديه وعملوا بأحكامه ودعوا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة .
أما بعد :
فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لم
يخلق خلقه عبثاً ولم يتركهم سدى بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم ورضى
منهم باليسير من العمل وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل ، أفاض عليهم
النعمة وكتب على نفسه الرحمة .
ومن كمال رحمته وتمام نعمته أن هيأ
لهذه الأمة – في كل فترة من الزمن – علماء عاملين ، بصراء ناصحين ،
أمناء مخلصين ؟، يذكرون الغافل ويعلمون الجاهل ، يدعون من ضل إلى الهدى
ويصبرون منهم على الأذى ، هم أحسن الناس هدياً وأقومهم سبيلاً ، رفعهم
الله بالعلم وزينهم
بالحلم ، بحلمهم يعرف الحلال من الحرام والحق من الباطل والضار من
النافع والحسن من القبيح ، فضلهم عظيم ونفعهم عميم ، هم ورثة الأنبياء
وخيار الأتقياء وهم أئمة العباد ومنار البلاد وقوام الأمة وينابيع
الحكمة بهم تحيا قلوب أهل الحق وتموت قلوب أهل الزيغ .
قال بن القيم رحمه الله : ( وهم – أي
العلماء – في الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، بهم يهتدي الحيران في
الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب وطاعتهم
أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب ) .
كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء –
رضى الله عنهما – " إنما مثل المعلم كمثل رجل عمل سراجا في طريق مظلم
يستضيء به من مر به وكل يدعو إلى الخير " .
ومما يدل على عظم منزلة العلماء أن
الله تعالى أمر الناس بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم وجعل علامة زيغهم
وضلالهم ذهاب علمائهم واتخاذ الرؤوس من جهلهم وقد صح عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد
ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً أتخذ الناس رؤوساً
جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " .
ولا شك أن موت العلماء كسر لا يجبر
وثلمة لا تسد ، ذلك أن العلم يموت بموت حامليه .
قال محمد بن الحسين : إذا مات
العلماء تحير الناس ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل ، فإنا لله وإنا إليه
راجعون ، مصيبة ما أعظمها على المسلمين .
قال ابن عبد البر رحمه الله : أنشدني
احمد بن عمر بن عبد الله في قصيدة له :
وذهاب العلــم عنا
في ذهـــاب العلماء
فهم أركان ديـن الـ
ـله في الأرض الفضاء
فجزاهم ربهـم عنـ
ـا بمحمود الـــجزاء
وقال آخر :
تعلم ما الرزية فقد مال
ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد
حبر يموت بموته خلق كثير
ولكن الله تعالى برحمته وطوله وقوته وحوله ، ضمن بقاء طائفة من هذه
الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ، أولئك هم الأقلون
عدداً ، الأعظمون عند الله قدراً ، قال صلى الله عليه وسلم : " لا تزال
طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي
أمر الله وهم ظاهرون على الناس " . وفي رواية : " لا تزال طائفة من
أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة " .
ومما لا شك فيه أن هذه الطائفة " هم ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم وهم
القائمون بما بعثوا به علماً وعملاً ودعوة الخلق على الله في طريقهم
ومنهاجهم" وهذا ما ذكره العلامة بن القيم رحمه الله في بيان طبقات
المكلفين ومراتبهم في الآخرة وأكده بقوله : وهذه – الطبقة – أفضل مراتب
الخلق بعد الرسالة والنبوة وهي مرتبة الصديقية ولهذا قرنهم الله في
كتابه بالأنبياء ، فقال تعالى : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) .
فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة
النبوة ، هؤلاء هم الربانيون وهم الراسخون في العلم وهم الوسائط بين
الرسول وأمته ، فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه وهم
المضمنون لهم أنهم لا يزالون على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم
حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ، قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ
آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) .
والمقصود أن درجة الصديقية والربانية
ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هي أفضل درجات الأمة ولو لم يكن من فضلها
وشرفها إلا أن كان من علم بتعليمهم وإرشادهم، أو علم غيره شيئاً من ذلك
كان له مثل أجره ما دام ذلك جارياً في الأمة على أبد الدهور وقد صح عن
النبي
صلى الله عليه وسلم
أنه قال لعلي بن أبي طالب : " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من
حمر النعم " .
وصح عنه
صلى
الله عليه وسلم
أنه قال : " من سن في الإسلام سنة فعمل بها بعده كان له
مثل أجر من عمل به لا ينقص من أجورهم شيء " .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً
أنه قال : " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو
علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " .
وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم
أنه قال : " إن العالم يستغفر له من في السماوات والأرض حتى النملة في
جحرها " .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" إن الله و ملائكته يصلون على معلم الناس الخير " .
وعنهصلى الله عليه وسلم أنه قال : "
إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً
وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظ عظيم وافر " .
وعنه صلى الله عليه وسلم : " العالم
والمتعلم شريكان في الأجر ولا خير في سائر الناس بعده " .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها " .
والأحاديث في هذا كثيرة فيها لها من
مرتبة ، ما أعلاها ومنقبة ما أجلها وأسماها أن يكون المرء في حياته
مشغولا ببعض أشغاله أو في قبره قد صار أشلاء متمزقة وصحف حسناته
متزايدة يملى فيها الحسنات كل وقت وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا
يحتسب ، تلك والله المكارم والغنائم وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وذلك
فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وحقيقي بمرتبة هذا الشأن
أ، تنفق نفائس الأنفاس عليها ويسبق السابقون إليها وتوفر عليها الأوقات
وتتوجه نحوها الطلبات وأصحاب هذه المرتبة يدعون عظماء في ملكوت السماء
كما قال بعض السلف : من علم وعلم فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السماء .
إن السابر لأغوار التاريخ والمتعمق
فيه ، يدرك أن تاريخاً الإسلامي حافل بالعلماء الأعلام الذين أوقفوا
حياتهم على طلب العلم وتعليمه واقتناص أوابده واستنباط قوانينه وقواعده
وأنفقوا أثمن ما يملكونه من مال وجهد ووقت في سبيل هداية الخلق .
وإنني أرى أن من حق هؤلاء العلماء
علينا أن نسجل سيرهم وندون أخبارهم وإنه لمما يسر أعظم السرور أن يكون
الحديث متواصلا عن العلماء ، تبصيراً بسيرهم وتعريفاً بحياتهم وتذكيراً
بأعمالهم وبما كان لهم من الفضل مما أنتج الأثر العظيم الذي يعيشه أهل
العلم اليوم متواصلا بجهد جهاد من كان قبلهم .
إن نشر تراجم العلماء والتذكير
بفضائلهم والتعريف بسير حياتهم وجهادهم من الأعمال التي تذكر فتشكر .
ذلك أن الكتابة عن العلماء وتسجيل
سيرهم بهد رحيلهم يقيها عدوان النسيان مع تباعد الأزمان . إلى جانب ما
يحصل من الخير والنفع العاجل والآجل ومن ذلك أن الناس يقتدون بهم
ويحذون حذوهم ويدعون لهم .
إن مما لا شك فيه أن اقتفاء سير من
كان قبلنا من أهل العلم الذين قد شهد لهم بالتحقيق وشهد لهم بالإمامة
في السنة وعرفوا بنقل العلم صافياً عن الرعيل الأول ، أقول : لا شك أن
اقتفاء سيرهم سيكون له أبلغ الأثر في نفوس الشببة والناشئة من هذه
الأمة ولأن الأمة إن لم يقتد شبابها بكهولها من العلماء وإن لم يتصل
أولئك بخبر من تقدم فيمن يتصلون وعمن يأخذون وبمن يقتدون .
وإنه لجميل أن تعرف هذه الأمة
للعلماء فضلهم وتحفظ حقهم وتجل قدرهم وتنزلهم منازلهم اللائقة بهم ،
بوصفهم معالم هداها ومصابيح دجاها .
وفضلا عن ذلك فإن تسجيل سير العلماء
تعد بمثابة دعوة مفتوحة إلى رواد العلم ومحبي المعرفة ودعاة الحق لأخذ
الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة من سيرهم القيمة وأخلاقهم الفاضلة ،
بحيث يلزم القارئ لسيرتهم نفسه بالتحلي بتلك الصفات الرفيعة والخلال
الحسنة فيرد من حيث وردوا ويصدر من حيث صدروا تأسيساً بهم ومشابهة لهم
.
فتشبهوا إن لم تكونوا
مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
وإن من المحزن والمؤسف حقا ، بل ومن
العقوق أن ينسى أبناء هذه الأمة دعاتهم المصلحين ورجالهم المخلصين
وعلماءهم العاملين ، الذين عبروا بهم إلى شواطئ النجاة وجنحوا بهم عن
مراتع الهلكة ومواقع الفتن فسلمت لهم أبدانهم بعد أن سلمت قلوبهم .
ذلك أن صلاح الأمة لا يكون راسخ
البناء ولا جميل الطلاء ولا محمود العقبى إلا إذا كان موصولا بحقائق
الدين ومصطبغاً بآداب الشرع وذلك لا يكون ولن يكون إلا حين يقوم
العلماء الربانيون بمسؤولياتهم وينهضوا بما أستحفظوا من الدين وما
أوتوا من العلم .
إن قاصد الحق وصادق الهدف ، يجد في
سير الصالحين والعلماء العاملين والأئمة المصلحين ما يدفعه إلى صدق
العزيمة وإخلاص النية والتجرد للحق ومجاهدة النفس ، بل إن من أعظم
الدروس المستفادة والعبر المستلهمة من موت العلماء العاملين ، استشعار
عظم المسؤولية بعد فقدهم ، وتحمل أمانة الدعوة بعد رحيلهم والتي تعتبر
بحق واجبنا الأول في هذا العصر الذي ابتليت فيه الإنسانية بما أتلف
أعصابها من تقدم مادي وحضارة انفلت فيها زمام العقل وطغت في جنباتها
ظلمات الإلحاد وانحسرت القيم الخلقية عن حياة الناس فلم تعد تتدخل في
شؤونهم بعد أن كانت هي الفيصل بينهم .
عصر يضم بين آفاته أمما وشعوباً من
البشر مثقلة كواهلها بالأزمات النفسية والمادية والفكرية ولا سبيل إلى
التخلص من هذه الأزمات على اختلاف ألوانها وأنواعها إلا بالإسلام الذي
كمل الله به شرائعه العملية في شريعته الخاتمة ونظم به الحياة
الإنسانية نظاماً كاملاً في علاقاتها أفراداً وجماعات وأمماً وشعوباً
وحاكمين ومحكومين فلا عبودية إلا لله ولا انقياد إلا لأمره ولا استسلام
إلا له سبحانه وبهذه الصورة العامة الخالدة الواضحة ، جاء الإسلام
نظاماً عاماً للحياة كلها ، خاتماً لوحي السماء على خاتم النبيين محمد
صلى الله عليه وآله وسلم وبهذه الصورة الكاملة رضيه الله تعالى دينا
للإنسانية وامتن به عليها ، باعتباره نعمته العظمى على عباده ، قال
تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) .
إن الإسلام منذ أن أنزله الله قد
فهمه المسلمون الأوائل على أنه دين الله الذي بعث به رسله ، حتى أكمل
للإنسانية رشدها وبلغ عقلها منزلة القيادة في الكشف عن أسرار الكون ،
ختم الله النبوة بخاتم النبيين محمدصلى الله عليه وسلم وأنزل عليه
القرآن الحكيم دستوراً عاماً شاملاً خالداً ، بما أشتمل عليه من قواعد
الأحكام وأصول العقائد ودعائم الأخلاق وأسس السياسة والاجتماع .
ومن هذا كله يتبين أن على علماء
الدين وحراس الملة ودعاة الحق ، مسؤولية عظمى وفي أعناقهم أمانة كبرى
فهم مؤتمنون في علمهم وتعليمهم وتوجيههم ، تعليماً وتوجيهاً يعصم عن
مخالفة أمر الله ، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ،
يبينون للناس كل ما لا يسعهم جهله من أمور العقائد والفرائض وأحكام
الحلال والحرام وقضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أسهل
المسالك وأحكم الوسائل ، لا يكتمون العلم ولا يحجبون النصيحة ولا
يتأثرون بهوى ولا يتعصبون لباطل .
وحين يطالب العلماء بمسؤولياتهم فيجب
على الأمة أن تحفظ حقوقهم وتشكر جهودهم وترعى عهودهم وتعرف مكانتهم
وتلتزم الأدب معهم ، إنهم العلماء وارثو علم الرسالة ، خلفاء النبي في
أمته المحيون لما مات من سنته وهم الحملة العدول والحفاظ الفحول ، بهم
قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا .
إن للعلماء فى هذا الدين مكانه كبرى
ومنزلة عظمى فهو ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل والأمناء على ميراث النبوة
هم كواكب الأرض المتلألئة وشموسها الساطعة وإطنابها القوية وأوتادها
المتينة هم للأمة مصابيح دجاها وأنوار هداها هم الأعلام الهداة والأئمة
التقاه أضواء تنجلى بهم غياهب الظلم وأقطاب تدور عليهم معارف الأمم
تتبدد بنور عملهم سحب الجهل وغبوم العى هم آله خشية الله كما قال
سبحانه :( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)قرنهم
الله بنفسه فى الشهادة على وحدانية فقال تعالى :(شَهِدَ اللَّهُ
أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ
قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
وضمن الله لهم العلو والرفعة فقال جل وعلا :(يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )
كما أنهم شهداء الله فى أرضه وخلفاء
رسوله فى أمته والمحيون لما مات من سنته بهم حفظ الله الدين وبه حفظوا
وما عزت الأمم وبلغت القمم وشيدت الحضارات وقامت الأمجاد إلا بالعلماء
مثلهم فى الأرض كمثل النجوم يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر فإذا
انطمست النجوم وأوشك أن تضل الهداة وفى المسند والسنن من حديث أبى
الدرداء رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " فضل العالم
على العبد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكوكب " .
يقول الإمام احمد رحمه الله فى معرض
فضائلهم ومآثرهم " يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون
بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد
أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح اثر
الناس عليهم ينفون عن دين اله تحريف الغاليين وانتحال المبطلين وتأويل
الجاهلين ".
وإنما تبوأ العلماء هذه المكانة لما
يضطلعون به من تبليغ علوم الشريعة التى هى مادة حياة القلوب والمقربة
لعلام الغيوب فبالعلم الشرعى تبنى الأمجاد وتشاد الحضارات وتبلغ القمم
وتمحى غياهب الظلم قال تعالى : (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) .
وان من أهم علوم الشريعة واجلها قدرا
وأعظمها أثرا وأكثرها فائدة وأكبرها عائدة علم أصول الفقه لأنه الطريق
لاستنباط الأحكام الشرعية فهو منهل الأئمة ومأوى المجتهدين ومورد
المفتين لا سيما عند النوازل والمستجدات .
ولقد زخر تاريخ الإسلام بكوكبه من علماء الأصول فى مختلف العصور
مثلوا منارات عالية فى سماء العلم والمعرفة كما شهد عصرنا الحاضر نخبة
مميزة من علماء الأصول يعدون امتداد لسلفهم من الأصوليين بل انه نتيجة
لاستقرار المناهج الأصولية ونضج التفكير الأصولي المرتبط بالمنهج
الصحيح لدى صفوة منهم أصبح من المهم إبراز منهج هؤلاء ودراسة حياتهم
العلمية ومناهجهم الأصولية لما لذلك من الأثر الكبير والخير الوفير على
الباحثين وطلاب العلم عامة والمهتمين منهم بالأصول على سبيل الخصوص.
ولقد كان من أعلام هذا العصر فى العلوم الشرعية كافة وعلم
الأصول خاصة شخصية علمية أصولية نادرة جديرة بالدراسة والإبراز
والاهتمام ذلكم هو العلامة الأصولي الشيخ عبد الرزاق عفيفى رحمة الله .
ونظرا لما يمثله الشيخ رحمه الله من مكانة علمية وأصولية ولما
يتمتع به من منهج وحاجة المكتبة الأصولية فيما أرى إلى بحث مستقل يبرز
منهجه ويجلى طريقته فقد عزمت على أن أقدم بحثا مستقل يبرز منهجه ويجلى
طريقته فقد عزمت على أن أقدم بحثا فى ذلك إسهاما فى البحث العلمي
ومشاركته فى ابرز المنهج الأصولي لعلمائنا الأفذاذ وفاء بحقهم علينا
وربطا وللأجيال بعلمهم ومنهجهم وقد رأيت أن يكون عنوان هذا البحث "
الشيخ عبد الرازق عفيفى ومعالم منهجه الأصولي ".
ومن هؤلاء العلماء الذين تسعد الأمة بهم وتشرف بذكرهم العالم
العامل كنز المحققين وقدوة المدققين صاحب العلم الباهر والفضل الظاهر ،
العلامة الجليل الفاضل الشيخ عبد الرازق عفيفي – رحمه الله - .
كان قوي العزم في معالي الأمور ،
أطبق عليها همته وصرف إليها نهمته وقوى فيها نيته وهدفه خدمة العلم
وطلابه .
كما كان – رحمه الله – ضليعاً متيناً
عاقلاً محققاً ،قائماً بجلائل الأعمال متجملاً بأكرم الخصال .
اشتغل بالعلم وبرع فيه وبز أقرامه
وهو إلى جانب هذا حلو النادرة حسن المحاضرة ، هادئ الموعظة ، رفيق في
أمره ونهيه ونصحه وإرشاده ، غاية في العفة والأمانة وسعة الصدر ، ذو
كرم وضيافة وخلق كريم .
وبالجملة فقد كان – رحمه الله – من
نوادر عصره أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ، يقول الحق ويقصده ويتحرى
الصدق ويؤثره .
إن الكتابة عن هذا الطود الشامخ
والعلم المبرز والشيخ الثقة وعرة المسالك صعبة المنال والحق يقال أنني
توقفت طويلاً أمام هذه الشخصية الفذة والعبقرية المذهلة التي قل من
يفري فريها أو يحذو حذوها وقفت أمامها وسألت نفسي كثيراً كيف الدخول
إلى ساحة هذا العالم وباحته كيف يستطيع طالب علم أن يسير أغوار عوالمه
وكيف طويلاً وسألت الله أن يلهمني رشدي ، ثم أدركت أن هذا التردد راجع
إلى عمق شخصية هذا العالم – المترجم له – وتعدد جوانب الخير فيها كما
أنني أدركت حقيقة مؤداها أنني لكي أكون قادراً على النظر في فكره وعلمه
وآثاره وحياته لا بد لي من عمر طويل ، يحسب بحبات العرق وعدد الصفحات
ولا يحسب بالساعات والأيام .
ولكي أكون أمينا على تاريخ سيرته
وتسجيل مواقع حياته ومواقع حله وترحاله ، لا بد من أكون قد تشرفت
بمشاركة رحلة عمره ومسيرة أيامه ولكني – والحق يقال – لم أكن كذلك ومع
ذلك فقد أكرمني الله بمعرفة سماحته – رحمه الله – والتردد عليه والتحدث
إليه سنين عديدة أدركت خلالها ما من الله به على هذا العالم السلفى
التقي من مواهب لا تحصى ، وفضائل لا تستقضى .
وكنت أشعر عندما كنت أتردد عليه
وأتحدث إليه أنني أمام بحر لا ساحل له وكأن الشاعر قد عناه بقوله :
أنا البحر في أحشائه الدر
كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
لقد عرفت فضيلة الشيخ عبد الرزاق
عفيفي – رحمه الله – كما عرفه غيري من محبي العلم ورواد المعرفة – فما
رأيت منه إلا غزارة في العلم وسعة في الإطلاع وصدقاً في النصح وما رأت
عيني مثله في قوة إرادته وصدق عزيمته مع بعد في النظر وحصيلة في الأثر
.
لقد كان إماماً متبحراً في العلوم ،
صحيح الذهن سريع الإدراك سيال الفهم كثير المحاسن ، لا لذة له في غير
نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه ، حتى عد من الراسخين في العلم
واجتمع فيه من الكمال ما تضرب به الأمثال وكل هذه المظاهر الحسنة
والخصال الحميدة التي تحلى بها هذا العالم ، هي التي دفعتني واستحثت
خطاي إلى الكتابة عنه ، اعترافاً بفضله وقياماً بحقه وأداء لبعض واجبه
.
ونحن إذ نعدد من مناقب شيخنا ما نعدد
، لا نبتغي إغراقاً في المدح ولا غلواً في الرثاء وإنما القصد إبراز
جوانب من حياته تؤكد وتبرهن على أنه – كان غاية في الصلاح والاستقامة
وحب الخير وأهله والمثابرة على العمل الصالح في غير رياء ولا سمعة .
لقد كانت حياة فضيلة الشيخ عبد
الرازق عفيفي – طيب الله ثراه – ترجمة صادقة للأخلاق العظيمة والسجايا
الكريمة التي ينبغي أن يتحلى بها كل عالم يقصد بعلمه وجه الله وإعلاء
كلمته وإعزاز دينه وإحياء سنة رسولهصلى الله عليه وسلم لا يخشى في الحق
لومة لائم .
ذلك أن الوفاء للحق والقيام بأمره
ومواجهة الناس أجمعين به ، من أولى الخصال التي يحيا بها الدعاة إلى
الله وتعد صبغة لازمة لسلوكهم بل جزءاً خطيراً من كيانهم .
إن الغيرة على الدين والصدع بالحق
وإقامة السنة والتحذير من البدعة ، من الصفات الحميدة والخلال الحسنة
التي أقام عليها الشيخ حياته وكرس لها جهوده ، بل كانت فيما ظهر لي
مفتاح شخصيته وسر جاذبيته وتأثيره الآسر لتلاميذ ومعاصريه .
لقد ربى رحمه الله بهذه الصفات وتلك
المؤثرات ، جيلاً من الدعاة لا يزالون يحمدون غبها ويذكرون فضلها
ويجتنبون ثمرها وهذا يؤكد ويدلل على أن الموت العالم مصيبة لا يجبرها
إلا خلف غيره له ولا شك أن موت العلماء فساد لنظام العالم ولهذا لا
يزال الله يغرس في هذا الدين منهم خالفاً عن سالف ، يحفظ بهم دينه
وكتابه وعباده .
لقد فقدنا علما من أعلام الأمة
الإسلامية ونحن أحوج ما نكون إلى محصول علم قضى في تحصيله وتحقيقه
قرابة سبعين عاماً فقدناه ونحن أحوج ما نكون إلى نضج عقله وسلامة
تفكيره ودلالة نظره ، فقدنا رجلاً لا يكاد يعرف الناس له شبيهاً في
أصالة معدنه وطهارة ذيله وجودة رأيه ورباطة جأشه وعفة نفسه وغزارة علمه
. فإنا لله وإنا إليه راجعون .
إن وفاة هذا العالم الجليل ستترك فراغاً كبيراً لن يملأه إلا
بقاء علمه وفكره وذكره ، لأنه من كبار حملة ميراث النبوة ومن دعاة
الهدى وأئمة التربية والتوجيه والإصلاح .
وإن تشييع الآلاف المؤلفة له ليدل دلالة قاطعة على وعي هذه
الأمة وتقديرها للمخلصين من رجالها وللعلماء العاملين بعلمهم من
أبنائها وإنه لشاهد عدل ودليل صدق على صلاحه وورعه وصلابة دينه ، نحسبه
كذلك ولا نزكي على الله أحداً وأنه كان ممن طال عمره وحسن عمله .
اسمه
ونسبه :
هو العالم الجليل والسلفي النبيل عبد
الرزاق بن عفيفي بن عطية بن عبد البر بن شرف الدين النوبي ولد في الربع
الأول من القرن الرابع عشر الهجري وعلى وجه التحديد في السابع والعشرين
من شهر رجب سنة 1323 هـ الموافق 16 ديسمبر سنة 1905 م ، في قرية شنشور
مركز أشمون التابع لمحافظة المنوفية وهي إحدى محافظات مصر .
نشأته وبيئته :
نشأ الشيخ عبد الرزاق في بيئة معطرة
بأنفاس القرآن الكريم وسط أسرة محافظة وفي مجتمع ريفي بعيد عن فتن
الحواضر ومفاسدها .
ففي قرية شنشور ، تلك القرية الهادئة
المتواضعة التي تترابط أسرها وتمتزج في كيان واحد وتتنسم عبير الإخاء
والود : في هذه القرية نشأ الفتى عبد الرزاق عفيفي ، نشأة صالحة ،
تغمرها العاطفة الدينية الجياشة وتوثق عراها سلامة الفطرة وحسن الخلق
والبعد عن الخرافات والخزعبلات وكان لهذه النشأة الطيبة أثرها البالغ
في حياة المترجم له حيث بدأ حياته العلمية بحفظه لكتاب الله تعالى
حفظاً متقناً مع تجويده على يد عدد من مشايخه آنذاك ومنهم الشيخ محمد
بن حسن عافية والشيخ محمد بن عبود عافية هذا فضلاً عن والده الذي قام
على تربيته وتنشئته أحسن ما ينشأ الفتيان الذين في مثل سنه ، قال
الشاعر :
وينشأ ناشئ الفتيان
فينا على ما كان عوده أبوه
وما كان الفتى نجماً
ولكن يعوده التدين أقربوه
أصوله وفروعه :
ينتمي الشيخ عبد الرازق عفيفي إلى
أسرة كريمة ، طيبة الأخلاق محمودة السيرة حسنة السمعة متمسكة بالأخلاق
الإسلامية وأخلاق أهل القرية والريف التي لم تتلون بمظاهر الحضارة
الكاذبة .
فوالده هو الشيخ عفيفي بن عطية
النوبي ، من مشاهير قرية شنشور وصالحيها ، كان حافظاً لكتاب الله تعالى
، وكان الشيخ عبد الرازق كثيراً ما يتحدث عن والده للخاصة من طلابه وقد
ذكر لي فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام – حفظه الله – أنه
رأى والد الشيخ عبد الرازق عند أول قدوم له إلى المملكة سنة (1368هـ)
وهي نفس السنة التي قدم فيها الشيخ عبد الرازق إلى أرض الحرمين
الشريفين وكان والد الشيخ عبد الرازق يرتدي العمامة البيضاء المستديرة
فوق رأسه وهي لباس أهل مصر آنذاك .
فروع الشيخ عبد الرزاق عفيفي :
إن من أعظم النعم وأكبر المنن أن
يوفق الإنسان بعد تقوى الله عز وجل إلى زوجة صالحة تعينه على أمر دينه
ودنياه ، تطيعه إذا أمر وتسره إذا نظر ، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها
وماله ، تتقن عملها وتعتني بنفسها وبيتها وزوجها ، فهي زوجة صالحة ،
وأم شفيقة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ولا أدل على ذلك من
قوله صلى الله عليه وسلم : " المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن
رعيتها " وقوله صلى الله عليه وسلم وقوله عليه الصلاة والسلام : "
الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" وقوله صلى الله عليه وسلم :"
من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة ، والمسكن الصالح والمركب الصالح "
ولقد كان من نعم الله وحسن بلائه على
فضيلة الشيخ عبد الرزاق أن وفقه لزوجة صالحة وسيدة فاضلة من أسرة كريمة
وعائلة فاضلة هي عائلة (سالم ) بالإسكندرية ، وأصلها من إسنا بصعيد مصر
وقد رزقه الله منها عدداً من البنبن والبنات .
أما الأبناء فهم :
1- المهندس الزراعي أحمد عاصم بن
عبد الرزاق عفيفي ولد سنة 1364هـ - 1944م ، وتوفى في حرب العاشر من
رمضان سنة 1393هـ - 1973م بمصر
2- الأستاذ محمد نبيل بن عبد الرزاق
عفيفي – حفظه الله – ويعمل مراقباً مالياً بالخطوط السعودية بجدة ، وهو
من أبر أبناء الشيخ وأرعاهم لحقوقه في حياته وبعد وفاته جزاه الله
خيرا وهو من مواليد سنة 1366هـ - 1946 م
3- الأستاذ محمود بن عبد الرزاق
عفيفي – حفظه الله – عمل مدرساً بالرياض ثم ترك التدريس وتفرغ لخدمة
والده في السنوات الأخيرة من حياته – رحمه الله – فجزاه الله خيراً
وجعل أعماله الصالحة في موازين حسناته ، وهو من مواليد سنة 1369 هـ -
1949م .
4- الأستاذ عبد الله بن عبد
الرزاق عفيفي توفى في حياة والده سنة 1412هـ - 1992م – رحمة الله
5- الأستاذ عبد الرحمن بن عبد
الرزاق عفيفي توفى في حياة والده اثر حادث وقع عليه سنة1408-1988
وكان من طلبه العلم المبرزين ومن اكثر أبناء الشيخ اتصافا به وكان
يعمل بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء بالرياض – رحمه
الله .
واما البنات فثلاث وقد أكرمها الله
بأصهار صالحين بررة ولا نزكي علي الله أحدا نحسبهم كذلك وكان الشيخ
عبد الرزاق – يرحمن الله –يهتم بتربية أولاده بل وحتى أحفاده
وينشئهم تنشئة صالحة – فكانوا مثالا في الاستقامة والبر ورعاية واداء
الأمانات .
أوصافة الخلقية وصفاته الخلقية
أ – أوصافة الخلقية
كان رحمه الله قوي البنية جسيما مهيبا طويل
القامة عظيم الهامة مستدير
الوجه قمحي اللون له عينان سوداوان يعلوهما
حاجبان غزيران ومن دون ذلك فم واسع ولحية كثة غلب البياض فيها علي
السواد وكان عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكفين والقدمين
ينم مظهره عن القوة في غير شدة .
هيئته ولباسه :
كان الشيخ عبد الرزاق – رحمه الله –
حسن الهيئة ، جميل المظهر في غير تكلف ، له سمت خاص في لباسه ، يرتدي
ثوبا فضفاضا أشبه ما يكون بلباس أهل مصر ، إلا أنه محاك على السنة .
وكان يعجبه اللباس الخشن من الثياب في غالب الأوقات وهو سلفى المظهر
والشارة .
ومجمل القول : أن الشيخ – رحمه الله –
كان رجلا متميزا في هيئته ولباسه يرتدي ما يراه متفقا مع مكانة العلم
والعلماء وظل متمسكا بهذه الهيئة المتميزة من اللباس إلى آخر حياته
المليئة بالجد والكفاح والمثابرة .
هيبته :
كان الشيخ – رحمه الله – رجلا مهيبا ، من رآه بديهة هابه ، فيه عزة
العلماء ، لا يتزلف إلى أصحاب المناصب زائرا أو مزورا ، يقول أحد
تلاميذه : إن الشيخ كان يفرض احترامه على طلابه وكان الطلاب يهابون
حياء ويقدرونه في أنفسهم وما سمعت منه كلمة مؤذية قط .
لقد كان الشيخ مهيبا حقا ومع هذه الهيبة كان آية في التواضع وحسن
المعاشرة وعلو الهمة ، بعيدا عن الصلف والتكلف المذموم ، أبيا عزيز
النفس وكأن الشاعر قد عناه بقوله :
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمع ضيرته لي سلما
وما كل برق لاح لي يستفزني ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظمأ
فصاحته :
اللغة العربية لغة جميلة فهي لغة القرآن والسنة ، أسلوبا ومنهجا ومقصدا
ومغزى فهي الطريق إلى فهمها والعمدة في إدراك أسرارهما فهي بحق من
مستلزمات الإسلام وضروراته .
والشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله – يعد وبجدارة من أرباب الفصاحة
وأساطين اللغة في علم النحو الخاصة وعلوم العربية كافة .
كان آية في التحدث بلغة الضاد ( اللغة العربية الفصحة ) كتابة ومحادثة
وكان هذا بيان مشرق متدفق وأداء جميل ونبرات مؤثرة في غير تكلف وكان
إذا تكلم أسمع وعقل عنه .
وكانت إحاطته بمفردات اللغة العربية تكاد تكون شاملة وهو إلى جانب ذلك
سهل العبارة ، عذب الأسلوب ، تتسم عباراته بالإيجاز والإحكام والبيان
والجزالة وكان بعيدا عن التكلف والتمتمة والفأفأة والتنطع والتشدق .
وإني أتمنى أن يعتني طلبة العلم وحملة الشريعة ورواد المعرفة بهذه
اللغة العظيمة ، اللغة العربية ، لغة القرآن الكريم .
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : : تعلموا العربية فإنها من دينكم
" وعن عمرو بن زيد قال : " تفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا
القرآن فإنه عربي " . وقال عبد الحميد بن يحي : " سمعت شعبة يقول :
تعلموا العربية فإنها تزيد في العقل " .
وقال عبد الملك بن مروان : " اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه
" . وأوصى بعض العرب بنيه فقال : " يا بني أصلحوا ألسنتكم فإن الرجل
تنوبه النائبة فيحتال فيها فيستعير من أخيه دابته ومن صديقه ثوبه ولا
يجد من يعيره لسانه " .
وقال ابن تيمية – رحمه الله - : " الدين فيه فقه أقوال وأعمال . ففقه
العربية هو الطريق إلى فقه أقواله وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله
" .
فراسته :
قال ابن القيم – رحمه الله - : الفراسة الإيمانية سببها نور يقذفه الله
في قلب عبده ، يفرق به بين الحق والباطل والحال والعاطل والصادق
والكاذب وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد
فراسة وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ووقائع فراسته مشهورة فإنه ما
قال لشيء : " أظنه كذا إلا كان كما قال " ويكفي في فراسته موافقته ربه
في مواضع عدة .
وفراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة وأصل هذا النوع من الفراسة
من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده فيحيا
القلب بذلك ويستنير فلا تكاد فراسته تخطيء . قال تعالى : ( أَوَمَنْ
كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ
فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ
مِنْهَا ) .
قال بعض السلف : من غض بصره عن المحارم وأمسك
نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بالمراقبة وظاهره باتباع السنة لم تخطيء
فراسته .
قال الماوردي – رحمه الله - : ينبغي أن يكون
للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه ،
ليعطيه ما يتحمله بذكائه أو يضعف عنه ببلادته فإنه أروح للعالم وأنجح
للمتعلم .
والشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله – ولا أزكى
على الله أحدا كان صاحب بصيرة نافذة وفراسة حادة يعرف ذلك عنه من خالطه
وأخذ العلم على يديه ومما يدلل ويؤكد على فراسة الشيخ أنه كان يتأمل
وجوه تلاميذه ويتفرس فيهم فيعرف المجد من الخامل والنابه من الجاهل
فيخص هؤلاء بعلم قد لا يخص به أولئك . وثم دليل آخر على فراسة الشيخ
أنه كان – رحمه الله – يدرك حقيقة ما يعرض عليه من المشكلات ويتأمل
وجوه أصحابها فيكشف ما وراءها من الدوافع ببصيرته الفذة وقلما ينطلي
عليه مكر أو احتيال . ومما يدل كذلك على صدق فراسة الشيخ ومعرفته
بالرجال ما ذكره فضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد عبد المنعم قائلا :
حدثني – رحمه الله – في مجلس الفتوى في ( منى ) فقال : إذا سأل البدوي
عن مسألة وكان الجواب موافقا لما يهوي فإنه يسأل سؤالا آخر قريبا من
الأول أو بعيدا أما إذا كان الجواب بخلاف ما يهوى فإنه يسأل سؤالا آخر
قريبا من الأول أو بعيدا أما إذا كان كان الجواب بخلاف ما يهوى فإنه
يسكت وينصرف .
وهكذا أكسبه طول التعامل مع المستفتين معرفة
لنفسياتهم فكانت إجاباته بإيضاح الحكم فيما يسأل عنه من التوسع أو من
الإيجاز ، ملحوظا فيها ما ينقدح في ذهنه من مقصد السائل عند إلقاء
السؤال من رغبة في معرفة الحكم الشرعي في المسألة أو في خلاف ذلك .
ولله در من قال :
ألمعي يرى بأول رأي آخر الأمر من
وراء المغيب
لوذعي له فؤاد ذكي ما له في
ذكائه من ضريب
لا يروي ولا يقلب طرفا وأكف الرجال
في تقليب
قوة حافظته وحضور بديهته :
كان رحمه الله قوي الحافظة ، سريع البديهة ،
مستحضر الفهم ، شديد الذكاء وافر العلم غزير المادة ، صاحب ألمعية
نادرة ونجابة ظاهرة .
إن نعمة الحفظ وقوة الذاكرة من أقوى الأسباب –
بعد توفيق الله عز وجل – على طلب العلم ولقد كان لهذه الحافظة القوية
والذاكرة الجبارة أثرها البالغ في تحصيل ثروته العلميه والتي بنيت على
محفوظاته التي علقت بذاكرته في مرحلة التعلم والتعليم وقد رزقه الله من
الذكاء وقوة الحفظ ما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة
فكان الشيخ يدرك حقيقة ما يعرض عليه من المشكلات فيكشف ما وراءها من
الدوافع بتوفيق الله ثم بذكائه الحاد وبصيرته النافذة ولم يكن ينطلي
عليه خداع أو احتيال .
ومما يؤكد ويبرهن على قوة حافظة الشيخ وسيلان
ذهنه أن أحد الموظفين بإدارات البحوث العلمية والإفتاء سأل الشيخ وأنا
جالس بجانبه – في مقر هيئة كبار العلماء بمدينة الطائف – عن مرجع
لمسألة يريد أن يرجع إليها فدله الشيخ على كتاب المغنى لابن قدامه وذكر
له الجزء والصفحة والمكان وهذا إن دل فإنما يدل على شدة ملاحظته وتوقد
ذهنه – رحمه الله .
وثم دليل آخر يؤكد على قوة ذاكرة الشيخ وهو أنه
رحمه الله كان يقص قصصا ويذكر أحداثا ووقائع من أعماق التاريخ ترجع إلى
أكثر من ثلاثة أرباع القرن ، يذكرها وكأنها ماثلة أمام عينه .
وثم دليل ثالث على عمق حافظة الشيخ وحضور بديهته
، ما ذكره أحد تلامذته من أن الشيخ أملى عليهم من حفظه في مادة التفسير
أكثر من مائة صفحة .
ويؤكد هذا كله فضيلة الشيخ محمد بن سعد السعيد
قائلا : " لقد حباه الله قوة الحافظة والدقة في الفهم وسرعة البديهة
وحصافة الرأي مع اتسامه بالورع والزهد والتواضع .
وفور عقله وبعد نظره :
إن من المسلم به أن لكل فضيلة أسا ولكل أدب
ينبوعا وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله الله تعالى للدين
أصلا وللدنيا عمارا فأوجب التكليف بكماله وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه
وألف به بين خلقه مع اختلاف همهم ومآربهم وتباين أغراضهم ومقاصدهم .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أصل الرجل
عقله وحسبه دينه ومروءته خلقه وقال الحسن البصري رحمه الله : ما استودع
الله أحدا عقلا إلا استنقذه به يوما وقال بعض الأدباء : صديق كل امريء
عقله .
وقال إبراهيم بن حسان :
يزين الفتى في الناس صحة عقله وإن كان
محظورا عليه مكاسبه
يشين الفتى في الناس قلة عقله وإن
كرمت أعراقه ومناسبه
يعيش الفتى بالعقل في الناس إنه على
العقل يجري علمه وتجاربه
وأفضل قسم الله للمرء عقله فليس من
الاشياء شيء يقاربه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله فقد
كملت أخلاقه ومآربه
وإنني لأشهد بالله أن الشيخ عبد الرازق عفيفي –
يرحمه الله – كان من العلماء القلائل الذين جمع الله لهم بين وفرة
العلم ووفر العقل وبعد النظر فكان مثالا للداعية المسلم الحق الذي يدعو
إلى الله على بصيرة وإلى جانب تعقل الشيخ وبعد نظره فقد تميز – رحمه
الله – بسعة علمه ومقدرته على الفهم الدقيق والاستنباط الواعي والتمييز
المستبصر .
إن كل من رأى الشيخ وبعد نظره فقد تميز – رحمه
الله – بسعة علمه ومقدرته على الفهم الدقيق والاستنباط الواعي والتمييز
المستبصر .
إن كل من رأى الشيخ وجلس إليه يشهد له بحنكة
باهرة وحكمة ظاهرة واطلاع واسع وعدم خوضه فيما لا يعنيه وإعراضه عن
التحدث في الموضوعات ذات الحساسية وهو مع ذلك فقيه بواقع أمته ومطلع
على ظروف عصره ، يعيش آمال الأمة وآلامها ساعة بساعة ولحظة بلحظة .
ولقد أكسبته هذه الخصال الحميدة والسجايا الحسنة
احترام الناس له وتقديرهم لعلمه وفضله حتى أصبح موضع تقدير الجميع
علماء وعامة .
يقول فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد العجلان :
كان الشيخ – رحمه الله – كثير الصمت يفرض احترامه على جالسيه كثير
التأمل شديد الملاحظة ، وافر العقل ، نافذ الفراسة .
وقال فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي : ما
رأيت رجلا من المصريين أعقل من الشيخ عبد الرزاق – رحمه الله – جمع بين
العلم والعقل فيا سعادة من جمع العلم والعقل إذ لا يستغنى أحدهما عن
الآخر .
لقد كان الشيخ – يرحمه الله – صافي الذهن ، بعيد
النظر ، ينظر الى عواقب الأمور ويوازن بين المصالح والمفاسد ويبين
لجالسيه وطلابه أن التعجل والتهور وعدم النظر في وعدم النظر في العواقب
، يجلب على الأمة ويلات كثيرة فلله دره من عالم فحل وعاقل متأدب وداعية
محنك لم يهزه طيش ولم يستفزه خرق .
ولقد صدق من قال :
إذا تم عقل المرء تمت أموره وتمت
أمانيه وتم بناؤه
وقال أبو بكر بن دريد :
العالم العاقل ابن نفسه
أغناه جنس علمه عن جنسه
كن ابن من شئت وكن مؤدبا وإنما
المرء بفضل كيسه
وليس من تكرمه لغيره مثل الذي تكرمه
لنفسه
مواهبه وسجاياه :
لقد
كان الشيخ عبد الرزاق – يرحمه الله – يتمتع بمواهب وسجايا وخصال قل أن
تجتمع في غيره فقد كان – رحمه الله – يتحلى بسعة العلم والأناة والحلم
والهدوء في المحاورة والمناقشة والقدرة على الإقناع وتقريب الأمور إلى
الأذهان .
يقول
أحد طلابه : لقد حباه الله قوة الحافظة ودقة الملاحظة وسرعة الفهم
وسيلان الذهن وحصافة الرأي مع اتسامه بالورع والزهد والتواضع ولين
الجانب وكان كثير الصمت قليل الكلام إلا فيما ترجحت فائدته ومصلحته . أ
ه .
وبالجملة فقد كان الشيخ – رحمه الله – يتمتع بصفات حسنة وسجايا كريمة .
لقد كان مثالا يحتذى في أدبه وعلمه وأخلاقه وقدوة في تصرفاته . لقد كان
موهوبا .
صفات الخلقية :
إن من عاصر الشيخ عبد الرازق – رحمه الله –
وخالطه وعاشره يتفق معي أنه كان رجلا قوي الشخصية متميز التفكير مستقل
الرأي نافذ البصيرة ، سليم المعتقد حسن الاتباع ، جم الفضائل ، كثير
المحاسن ، مثال العلماء العاملين والدعاة المصلحين فيه عزة العلماء
وإباء الأتقياء ، غاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع حكمة
ولطف وبعد نظر لا يجابه أحدا بما يكره ولا ينتصر لنفسه .
كان زاهدا عابدا أمينا صادقا كثير التضرع إلى
الله قريب الدمعة زكي الفؤاد ، سخى اليد ، طيب المعشر ، صاحب سنة
وعبادة ، كثير الصمت ، شديد الملاحظة ، نافذ الفراسة ، دقيق الفهم راجح
العقل ، شديد التواضع ، عف اللسان . وبالجملة : فقد اتصف الشيخ – رحمه
الله – بصفات جميلة وخلال حسنة وشيم كريمة ، يجمال بنا أن نتناولها
بشيء من التفصيل .
زهده وعفته :
إن الزهد في الدنيا معنى جميل ، لا يستقم إلا
لكل نفس كبيرة فهو خير معين على التفرغ للعظائم وأقوى محقق لمعاني
القوة في النفس والعقل والبدن . وأكبر عامل على صفاء القلب وصوله عما
يتورط فيه من الحقد والغل والحسد وأدعى شيء الى العفاف والترفع عن
السفاسف والى عزة النفس والصدع بالحق ومقاومة الشر
وعلى الجملة فهو كنز النفس العظيمة وميزة الصفوة
المختارة والخيرة الأبرار .
والزهد ليس كما يزعم بعض الجاهلين قبوعا عن كل
جليل وعظيم من الاعمال وليس الزهد كما يخيل للحمقى والمغفلين الذين غرر
الشيطان بهم . هو الذلة والمسكنة والفقر والمتربة والضعف والحاجة
والكسل اللاصق بالارض القانع بالدون من الحياة .
لكنه زهد تربية وزهد النفس التي تعف فيما تملك
وتترفع عن أن تمد عينيها الى ما لا تملك إنه العزة التي لا يذلها مطمع
من مطامع الدنيا ولا تغريها شهوة من شهواتها إنه زهد القلب وعفة الروح
وطهارة الجوارح إنه التجرد الكامل من رق النفس وأهوائها وشهواتها .
لقد كان زهد السلف الصالح رضي الله عنهم وخشونة
ملبسهم وجئوبة مطمعهم ، من أبلغ عوامل الرهبة في قلوب أعدائهم وأوكد
اسباب خضوع الدنيا لهم .
وعندما خلف من بعدهم خلف خلف أضاعوا الصلاة
واتبعوا الشهوات ورغبوا في العاجل وأعرضوا عن الآجل ، تبددت الرهبة من
صدور أعدائهم وتمنعت الدنيا وعزت على عمالهم وتكالبت عليهم الأمم وصدق
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : " يوشك أن تداعى عليكم الأمم
كما تداعى الأكلة على قصعتها " فقال قائل أو من قلة نحن يومئذ ؟ قال "
بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم
المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن " . فقال قائل : يا رسول الله
وما الوهن . قال : " حيث الدنيا وكراهية الموت " .
لقد كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله –
رمزا ومثالا يحتذى وقدوة تؤتسى في الزهد والورع وإنكار الذات .
كان زاهدا في الدنيا متقللا منها معرضا عنها ،
متحليا بالطاعة ، مستشعر العفاف والكفاف ، مقتصرا من نفقته وملبسه على
ما تدعو اليه الحاجة والضرورة .
لقد كان – رحمه الله – متواضعا في مسكنه ومأكله
ومشربه وسائر أموره وما عرفت الدنيا طريقا الى قلبه ولم يكن يهتم بها
ومع أن غيره ممن هو دونه كان ينقلب في النعيم وينام على الوثير من
الفراش ، كان الشيخ – رحمه الله – متواضعا في مسكنه ومشربه وسائر أموره
وما عرفت الدنيا طريقا الى قلبه ولم يكن يهتم بها ومع ان غيره ممن هو
دونه كان يتقلب في النعيم وينام على الوثير من الفراش يؤثر خشونة العيش
وعدم التوسع في الملذات على الرغم من أنه مد بأسبابها .
والبرهان على أنه ليس طالب مجد دنيوي أنه ما سلك
سبيلا لازدياد كسب مادي وما أكثر سبل الكسب المادي لو أرادها ومما يؤكد
ذلك ويدعمه أنه كان – رحمه الله – محبا للتستر بعيدا عن المظاهر
والتصدر يكره الشهرة ويأبى أن تسلط عليه الأضواء ويبتعد عن وسائل
الإعلام بعدا لا هوادة فيه .
يقول أحد طلابه : لقد جاء الشيخ إلى السعودية
على علمه وسجيته لم يجتذبه طمع في مال أو جاه أو منصب وقد علم الله
صلاح نيته فانقادت له كل أسباب العز الدنيوي وهو لم يطلبها فكان في هذه
المملكة أستاذ جيل بحق .
قلت : ومما لا ينكر من أخلاقه الظاهرة وزهده
وورعه ، كراهيته الشديدة للمدح والثناء عليه وتقبيل رأسه ويديه فما كان
يرضى من أحد أن يثنى عليه أو يبالغ في مدحه .
وأما عفة الشيخ وتعففه فهو بحر لا ساحل له وقد
تكفي الإشارة إن لمة تسعف العبارة وصفوة القول أن الشيخ – رحمه الله –
كان شديد التعفف ، غاية في الزهد ، نموذجا للأسوة الحسنة والقدوة
الصالحة .
كما كان رحمه الله عف اللسان عفيف النفس طاهر
الذيل ، بعيدا عن المحارم ، مجانبا للمآثم .
يبيت مشمرا سهر الليالي وصام نهاره
لله خيفة
وصان لسانه عن كل إفك وما زالت جوارحه
عفيفة
يعف عن المحارم والملاهي ومرضاة الإله له
وظيفة
تواضعه :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله
أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد " .
والتواضع هو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة للخلق ومنشأ
التواضع من معرفة الإنسان قدر عظمة ربه ومعرفة قدر نفسه فمن عرف نفسه
وتواضع لربه فإنه لا يتمرض على خالقه باقتراف الجرائم والآثام كما أنه
يعامل الناس معاملة حسنة بلطف ورحمة ورفق ولين جانب ، لا يزهو على
مخلوق ولا يبالي بمظاهر العظمة الكاذبة ولا يترفع عن مجالسة الفقراء
والمشي معهم وإجابة دعوتهم ومخاطبتهم بالكلام اللين ولا يأنف من استماع
نصيحة من هو دونه . قال تعالى : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ
قَالُوا سَلاماً ) .
لقد كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي لين الجانب ،
سهل الخلق ، شديد الزهد في أعراض الدنيا ، يلبس الخشن من الثياب ويرتاح
لذلك ويعلله بأنه يناسب بدنه صحيا ولم يكن له ترتيب خاص به في حياته
كما هي عدة الأثرياء والوجهاء ، كما أنه ليس له ترتيب خاص به في مجلسه
وطعامه ولقائه بالعلماء والعامة وطلبة العلم وكان يجلس حيث ينتهي به
المجلس وكان كثير التأمل ، شديد الملاحظة ، يؤثر الصمت ولا يتكلم إلا
عند الحاجة ولا يزيد عن المطلوب منه وكان لا يتشدق في الكلام ولا يتكلف
ما ليس عنده ولا يزهو على أحد بعلمه ولا يترفع على جلسائه بل يباسطهم
ويمتزج بهم ومع هذا فهو بتواضعه متميز بخفض جناحه لطلابه وجلسائه ،
متعزر قد زاده التواضع رفعة وخفض الجناح شرفا .
يقول الدكتور عبد الله بن حافظ الحكمي : كان
الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله – محل القدوة والأسوة ، شديد
التواضع تغلب عليه البساطة في مجلسه ، إذا ارتاح لمحدثه استرسل في ذكر
الأحداث والمواقف ونزل معه على قدره صغيراً كان أو كبيراً .
وقال الدكتور محمد بن لطفي الصباغ : كان الشيخ
عبد الرزاق متواضعاً يكرم الصبيان والفتيان ولا يدعوهم إلا بألقاب
التكريم ، وقد رأيته يوم أن جاء الشيخ حسن حبنكة أحد كبار علماء بلاد
الشام لزيارة مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله – رأيته
في قمة التواضع إذ كان يؤثر الكثيرين في الجلوس في المقاعد المتقدمة مع
أنه أحق منهم بهذا التقديم .
صدقه
وأمانته :
إن من أعظم مكارم الأخلاق التي أمر الله بها
وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم الصدق . قال الله تعالى : ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ)وقال صلى الله عليه وسلم " إن الصدق يهدي إلى البر وإن
البر يهدي إلى الجنة "
لقد بلغ الشيخ عبد الرزاق عفيفي – يرحمه الله –
من الصدق والأمانة مبلغاً وغاية جعلته موضع التقدير والاحترام والتوقير
من طلابه ومحبيه كان لا يتكلم إلا بما يعتقد أنه الحق وكان يؤثر الصمت
في بعض الأوقات ولكنه إذا تكلم في أمر من الأمور أقنع محدثه لقوة حجته
وصدق لهجته وبعده عن الكلام المبتذل والتلون في الحديث ، وهذه الصفات
الحسنة والخلال الحميدة جعلت الشيخ يحتل مكان الصدارة بين أساتذة
الكليات والمعاهد العلمية والمؤسسات الدعوية بالمملكة .
ويؤكد هذا أحد طلابه قائلاً : عرفت الشيخ عبد
الرزاق أستاذاً ماهراً وبحراً زاخراً بمختلف علوم التفسير والعقيدة
والفقه والأصول وغيرها من جوانب العلوم الشرعية واللغة العربية وعرفته
كذلك محدثاً واعظاً ومرشداً أميناً جم المعرفة غزير العلم متواض |